Blog

المشاريع السعودية الكبيرة تعيد تشكيل العمارة في المملكة

Friday, Jan 16, 2026

حدثنا إلى المدير الإقليمي لشركة يورو سيستمز في السعودية عن التحولات التي يشهدها قطاع العمران وتوجهات التصميم في المملكة، ما بين الحداثة والارتباط بالإرث المحلي

 

تحوّلت السعودية خلال السنوات الأخيرة، إلى ساحة مفتوحة لتحولات معمارية وهندسية غير مسبوقة، تجاوزت مجرد التوسع العمراني التقليدي إلى إعادة صياغة شاملة لكيفية التخطيط والبناء والتنفيذ. ولا تقتصر المسألة على ضخامة المشاريع أو فرادتها البصرية فحسب، بل تشمل تحولات أعمق تفرضها هذه المشاريع على المعايير التقنية، وسلاسل الإمداد، وأنماط اتخاذ القرار داخل القطاع.

 

وما بين طموح استراتيجي تقوده الدولة، وضغوط تنفيذية تفرضها الجداول الزمنية الصارمة ومتطلبات الاستدامة، تمرّ العمارة في المملكة بمرحلة مهمّة تعاد فيها كتابة القواعد. فما يُبنى اليوم يختبر حدود التصميم من ناحية، ويختبر من ناحية ثانية قدرة السوق على التكيّف وتحويل الرؤى الكبرى إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والاستمرار.

في حوار مع أريبيان بزنس، استعرض المدير الإقليمي لشركة يورو سيستمز Euro Systems في السعودية، أسرار خازي، رؤية الشركة والتحول المثير الذي يشهده قطاع العمران وتوجهات التصميم في المملكة، ما بين الحداثة والارتباط بالإرث المحلي.

 

تختص يورو سيستمز في الحلول المعمارية، وتقدم منتجات وحلولا هندسية عالية الجودة للمباني. وتشمل أعمالها الأبواب والنوافذ المتطورة ذات التصميم المخصص، وأنظمة الزجاج المعماري المتقدمة، وحلول التظليل الداخلي والخارجي، والأنظمة الصوتية، وتقنيات الأتمتة الذكية.

 

وتقدم الشركة حلولاً مصممة بعناية للمشاريع السكنية والتجارية وقطاع الضيافة.

وفي حواره مع أريبيان بزنس، تحدث خازي عن الاتجاهات الجديدة في متطلبات العملاء، الذين أصبحوا أكثر تركيزا على مطابقة المواصفات والجودة الفائقة والالتزام بالجداول الزمنية  والمواصفات التقنية والقواعد التنظيمية.

 
 

وشرح كذلك التأثير الجديد للأفكار التصميمية التقليدية والمتجذّرة ثقافياً في العمارة السائدة، وضرب مثلاً مشاريع الدرعية التي تمزج بين التوسع العمراني والاحترام العميق للإرث المحلي.

وتحدث خازي عن الطموحات العالية في المشاريع العمرانية والموازنة بينها وبين حدود التكلفة والتنظيم والتنفيذ.

وشدد على نقطة مهمة في سوق المملكة تتمثل في الالتزام بالأنظمة السعودية، إذ تُلزم القوانين بأن تكون المواد وعمليات التصنيع مصمّمة ومُنتَجة محلياً، انسجاماً مع توجه الحكومة لتعزيز الإنتاج المحلي.

 
 

وقارن بين المشاريع العامة التي غالباً ما تعطي الأولوية للوظيفية والكفاءة، والمشاريع الفاخرة التي تركز على القيمة طويلة الأجل، والحصرية، وتقديم منتج مخصّص عالي الجودة.

فيما يلي نص الحوار كاملاً:

 

ما الذي تغيّر فعلياً في توقعات العملاء خلال السنوات الأخيرة؟

أبرز ما ألاحظه هو أن العملاء أصبحوا أكثر تطلباً ودقة في توقعاتهم. لم يعد الأمر يقتصر على إنجاز المشروع فحسب، بل بات يتمحور حول التسليم في الوقت المحدد، وتوفير الكفاءات المتخصصة المناسبة، وضمان إدارة جميع جوانب المشروع، من الموارد إلى الأدوات، بأعلى درجات العناية. كما يولي العملاء اهتماماً أكبر بجودة المواد، ويتوقعون حلولاً فعّالة من حيث التكلفة دون المساس بالمعايير. وباختصار، يبحثون اليوم عن موثوقية شاملة من التخطيط حتى التنفيذ أكثر من أي وقت مضى.

 

ما نوع الطلبات التي باتت شائعة اليوم ولم تكن كذلك قبل نيوم ومشروع البحر الأحمر؟

قبل هذه المشاريع العملاقة، لم يكن العملاء دائماً يطالبون بهذا المستوى من التفصيل أو الخبرات المتخصصة. أما اليوم، فأصبحت الطلبات المتعلقة بالمهارات عالية التخصص، والتوزيع الدقيق للموارد، وإجراءات صارمة لضمان الجودة، أمراً أساسياً. كما ازداد التركيز على العناية المطلقة، لضمان توافق كل عنصر في المشروع من المواد إلى القوى العاملة، مع توقعات العملاء والمتطلبات التنظيمية. لقد رفع نيوم ومشروع البحر الأحمر سقف المعايير في القطاع، وهو ما انعكس بوضوح على التوقعات اليومية في مختلف أنحاء المملكة.

أي الأفكار القادمة من المشاريع العملاقة غالباً ما تتلاشى عند الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ؟

عند الانتقال من مرحلة التصوّر إلى التنفيذ، يتم تقليص بعض الأفكار الأكثر طموحاً بشكل حتمي. وغالباً ما تحدث التنازلات عند تقاطع يقين التكلفة وسرعة الإنجاز وقابلية التشغيل على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال، قد يتم تخفيض مستوى حلول الصوتيات أو الإضاءة أو التشطيبات عالية المواصفات في المناطق غير الحرجة، مع الحفاظ على الأداء في المساحات الرئيسية أو العامة. الهدف هو إيجاد توازن بين الإبداع والعملية دون فقدان جوهر التصميم.

أين تفرض التكاليف أو الجداول الزمنية أو القيود التشغيلية أكبر قدر من التنازلات؟

غالباً ما تتأثر المساحات التي لا تمس تجربة المستخدم مباشرة أو الوظائف الحرجة للمشروع. وتشمل هذه المناطق غير العامة، أو التشطيبات الثانوية، أو أنظمة الخدمات الخلفية. وحتى مع هذه التعديلات، يظل الهدف الحفاظ على الجودة الشاملة وضمان أن تحقق المساحات الرئيسية الأثر المنشود.

ما الذي ينتقل بنجاح إلى مشاريع الفئة المتوسطة أو القطاع العام وما الذي لا ينتقل؟

بعض المبادئ تنتقل فعلاً من المشاريع الفاخرة، ولا سيما تلك المتعلقة بدعم المجتمع، والامتثال لمتطلبات الأمن، وتخطيط البنية التحتية، وهي عناصر أساسية في جميع أنواع المشاريع. أما ما لا ينتقل بسهولة فهو عناصر التصميم المخصّصة للغاية والتشطيبات شديدة التفرد. فالمشاريع الراقية تركّز على العمارة الرمزية والوظائف المميّزة، وهو ما لا يكون عملياً أو ضرورياً في مشاريع الفئة المتوسطة أو القطاع العام.

أين يبقى الفارق بين المشاريع الراقية والمباني اليومية أكثر وضوحاً؟

يتجلى الفارق بشكل أساسي في تفاصيل التصميم والتموضع العام للمشروع. فالمشاريع الراقية تُصمَّم بوصفها معالم بارزة، مع تركيز قوي على الأثر الجمالي والوظائف المتقدمة، في حين تعطي المباني اليومية الأولوية للبساطة والكفاءة. وحتى مع تطبيق المعايير نفسها للسلامة والبنية التحتية، يظل مستوى الطموح ودرجة التخصيص أعلى بكثير في المشاريع الفاخرة.

عند تشديد الميزانيات، أي طموحات الاستدامة يُعاد النظر فيها أولاً؟

في المشاريع الفاخرة والعملاقة، تُعدّ الاستدامة جزءاً أصيلاً من التصميم ومستقبل المشروع، وليست مجرد التزام تنظيمي. فهي مدمجة منذ المراحل الأولى للتخطيط، وموجِّهة لقرارات المواد وكفاءة الطاقة والأداء التشغيلي. وحتى عند تضييق الميزانيات، تبقى الاستدامة محوراً أساسياً، بما يضمن مشاريع واعية بيئياً، وقادرة على العمل بكفاءة على المدى الطويل، وتشكيل بيئات حضرية مرنة وقابلة للتطور.

إلى أي مدى تقود الأنظمة مقابل طلب العملاء توجه الاستدامة؟

الأمر مزيج من الاثنين، لكن يمكن القول إن المتطلبات التنظيمية تشكّل الحد الأدنى، في حين يستخدم العملاء الاستدامة كوسيلة للتميّز، لا سيما في المشاريع الفاخرة والعملاقة. فالجهات الرسمية حريصة على تعزيز الاستدامة القابلة للقياس في المشاريع الحالية، بينما يرى العملاء فيها فرصة لإبراز التزامهم بالجودة والابتكار والقيمة طويلة الأجل. والتحدي يكمن في الموازنة بين الامتثال والطموح.

كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في طريقة تصوّر المشاريع أو تحديد مواصفاتها؟

تُحدث الأدوات الرقمية تحولاً جذرياً في طريقة تصوّر المشاريع. فالذكاء الاصطناعي والأتمتة والمحاكاة تتيح اختبار الأفكار بسرعة ودقة أعلى، ما يحسّن وتيرة العمل دون المساس بقيمة الإبداع البشري. كما تساعد التحليلات المعتمدة على البيانات في توجيه قرارات أساسية تتعلق بالموقع والمواد والهندسة، ما يجعل المفاهيم أكثر نضجاً قبل بدء التنفيذ.

 

 

هل يطلب العملاء بشكل متزايد مسارات عمل رقمية في مراحل التخطيط المبكرة؟ وكيف يؤثر ذلك على التوقعات؟

نعم، أصبحت نمذجة معلومات البناء إلزامية منذ المراحل الأولى، مع تزايد دمج التوائم الرقمية. وهذا يعيد تشكيل التوقعات بشكل كبير، إذ بات بالإمكان التخطيط للمشاريع بدرجة غير مسبوقة من الدقة، من توزيع الموارد إلى التنبؤ بالتكاليف. ويوفر ذلك رؤية أوضح لجميع الأطراف العملاء والمصممين والمقاولين حول شكل المشروع وأدائه الفعلي.

هل تغيّر الأدوات الرقمية طريقة تقييم المفاضلات بين التكلفة والاستدامة والمواد؟

بالتأكيد. فالنمذجة الرقمية تتيح تقييم التكاليف والاستدامة وخيارات المواد في الوقت الحقيقي، وقبل بدء التنفيذ. وتمكّن نمذجة معلومات البناء من ضبط التكاليف وتحسينها وتقليل المخاطر، ما يسمح باتخاذ قرارات أذكى بين الطموح التصميمي والقيود العملية، إضافة إلى تقدير أدق للقوى العاملة والموارد والمتطلبات الهندسية.

هل ترى أن التوقعات التقنية تتجاوز أحياناً الواقع العملي في مواقع التنفيذ، من حيث المهارات أو الجداول الزمنية أو قيود التوريد؟

يمثّل ذلك تحدياً حقيقياً. فبينما تدفع الأدوات الرقمية حدود التخطيط والتصميم، لا تزال المهارات المتاحة في الموقع والجداول الزمنية وقيود التوريد بحاجة إلى اللحاق بهذا التطور. والمفتاح هو الحفاظ على ترابط قوي بين ما يُصمَّم رقمياً وما يمكن تنفيذه فعلياً، لتفادي الإفراط في الوعود افتراضياً والتقصير في التنفيذ الواقعي.

بالنظر إلى المستقبل، ما التغييرات التي تتوقع أن تبقى واضحة في المدن السعودية بعد عقد من الآن؟

من المتوقع أن نشهد مزيداً من المجتمعات السكنية المتكاملة، وبنية تحتية معزّزة، ومساحات مركزية مصمّمة بعناية لتكون مراكز اجتماعية للسكان. كما ستواصل المساحات الخضراء الحضرية، ومناطق الترفيه، والمعالم المدفوعة بالتقنية تشكيل الحياة في المدن، إلى جانب المشاريع السياحية وانفتاح سوق العقارات السعودي بشكل أكبر أمام غير المقيمين للشراء والعيش والاستثمار. وسيعكس المشهد الحضري توازناً متزايداً بين جودة الحياة والترابط والابتكار، مرحّباً بالمقيمين والزوار على حد سواء.

ما الذي تعتقد أنه مُبالَغ في تقديره في النقاشات الحالية حول مستقبل العمارة السعودية؟

هناك حماسة كبيرة تجاه التصاميم المستقبلية والمعالم الأيقونية في السعودية، وهي بلا شك مبهرة، لكن هذا الزخم قد يُغفل أحياناً أهمية التخطيط الحضري المدروس. فالمستقبل لا ينبغي أن يقتصر على مبانٍ استعراضية، بل يجب أن يركّز على خلق مساحات تعزّز المجتمعات، وتحسّن الحياة اليومية، وتضمن الاستدامة طويلة الأمد. وبعبارة أخرى، مستقبل المدن السعودية لا يتمحور فقط حول العمارة الرمزية، بل حول بناء بيئات تخدم وتُلهم من يعيشون فيها.

Share on

Related News